الحفلة التي أرّخت للمنفى وأشعلت بيرسي
- الحفلة التي أرّخت للمنفى وأشعلت بيرسي
- الحلم الذي بدأ من بافاروتي
- الحسابات التي كادت تقتل الحلم
- ثلاثة وجوه للراي الجزائري
- سفينة نوح الموسيقية
- الجمهور كان جزءًا من الموسيقى
- المنفى يفتتح الحفل ويغلقه
- ثلاث ساعات.. وثلاثة نجوم لا يتشابهون
- «عبد القادر».. اللحظة التي انفصل فيها الجمهور عن الأرض
- حتى الأغنية الفرنسية لم تنجُ
- من حفلة إلى ألبوم.. ومن ألبوم إلى ذاكرة
- ربع قرن و«عبد القادر» لا يزال يرجف
في الليلة التي اجتمع فيها الشاب خالد ورشيد طه والشاب فضيل على خشبة واحدة، لم يكن المشهد مجرد حفلة موسيقية. كان سبعة عشر ألف إنسان يشاهدون جرحهم مجسّدًا على المسرح؛ ثلاثة أصوات جزائرية من ثلاثة أجيال مختلفة، أمام جمهور أغلبه من أبناء المهاجرين المغاربيين الذين وجدوا في هؤلاء المطربين صورًا مختلفة لأنفسهم. ثلاث شموس في سماء باريس الخريفية الباهتة، كل واحدة منها جاية من مكان مختلف، لكن الثلاثة كانوا بيغنوا في النهاية عن نفس المسافة: المسافة بين الجزائر وفرنسا، بين البلد اللي اتولدوا فيه والبلد اللي عاشوا بعيد عنه، وبين فكرة الوطن كما تُعاش وفكرة الوطن كما تفضل ساكنة في الذاكرة.
في ٢٦ سبتمبر ١٩٩٨، امتلأت قاعة بيرسي في باريس عن آخرها بحوالي ١٧ ألف متفرج، في حفلة استمرت قرابة ثلاث ساعات، واتحولت بعدها إلى واحدة من أشهر تسجيلات الراي الحية. على المسرح لم يكن هناك خالد وفضيل ورشيد طه فقط، بل أوركسترا مصرية كبيرة، قسم نحاسي مرتبط بموسيقيي فرقة ديفيد بوي، وعدد من العازفين القادمين من خلفيات موسيقية مختلفة، في مشروع موسيقي صممه المنتج والموسيقي البريطاني ستيف هيلاج بحيث يضع الراي الجزائري في مواجهة مباشرة مع الأوركسترا والروك والموسيقى الشرقية وموسيقى العالم.
الحلم الذي بدأ من بافاروتي
في مطلع التسعينيات، كان الشاب خالد قد بلغ من الشهرة درجةً لم يبلغها قبله كثير من فناني الراي الجزائري، فاتحًا أبوابًا لم تكن موصدة فحسب، بل كانت غير موجودة أصلًا. كان الراي وقتها بيتحول تدريجيًا من موسيقى مرتبطة بالأحياء الشعبية والاحتفالات المحلية إلى موسيقى لها جمهور أوروبي حقيقي، وخالد كان في مقدمة الحركة دي. لكن النجاح ده لم يكن كافيًا بالنسبة له. كان يريد أن يخلّد الراي في حدث أكبر من مجرد حفلة عادية، وأن يأخذ الموسيقى التي خرجت من وهران إلى مسرح ضخم، ويضعها أمام جمهور واسع، من غير ما يجرّدها من جذورها.
الفكرة استلهمت تجربة «الثلاثة تينور»، الثلاثي الأوبرالي الشهير الذي جمع لوتشيانو بافاروتي وخوسيه كاريراس وبلاسيدو دومينغو، خصوصًا حفلتهم الشهيرة في حمامات كاراكلا الأثرية في روما سنة ١٩٩٠. خالد أراد نسخته الخاصة من التجربة: ثلاثة أصوات من عالم الراي، لكن بدل الأوبرا يكون عندهم التاريخ الشعبي الجزائري، وبدل الساحات الأثرية تكون باريس، المدينة التي أصبحت واحدة من أهم عواصم المهاجرين المغاربيين في أوروبا.
شرع خالد في التحضير مع صديقه، المغني وعازف الروك البريطاني ستيف هيلاج، وكانت الفكرة الأولية أن يشارك خالد ورشيد طه والشاب مامي. لكن ارتباط مامي بجولة في الولايات المتحدة أدى إلى غيابه عن المشروع، فجاء الشاب فضيل بدلًا منه. وهكذا اكتمل الثلاثي الذي سيصبح بعد شهور قليلة واحدًا من أشهر الأسماء الجماعية في تاريخ الراي. المفارقة أن مامي نفسه كان موجودًا بين الجمهور ليلة الحفل، يشاهد المشروع الذي كان من المفترض أن يكون أحد أطرافه.
وكان خالد يتمنى أن تقام الحفلة بالتزامن مع كأس العالم ١٩٩٨ في فرنسا، مستعيدًا الطريقة التي ارتبطت بها حفلة «الثلاثة تينور» بكأس العالم في إيطاليا. لكن الخطة لم تتحقق في موعدها الأصلي، ولم تُقم الحفلة إلا في ٢٦ سبتمبر ١٩٩٨ داخل بيرسي، في الدائرة الثانية عشرة من باريس.
الحسابات التي كادت تقتل الحلم
المشروع من البداية لم يكن رهانًا صغيرًا. دراسة الجدوى التي أجرتها شركة باركلي للإنتاج توقعت أن صافي إيرادات الحفل لن يتجاوز ١.٧ مليون فرنك فرنسي بسبب سعر التذاكر المخفض الذي أصر عليه الثلاثي، بينما كانت تكلفة إنتاج الحفل ستصل إلى حوالي ستة ملايين فرنك. ببساطة، المشروع كان مهددًا بخسارة تتجاوز أربعة ملايين فرنك.
الحل جاء من تحويل الحفلة نفسها إلى منتج قابل للحياة بعد انتهائها. بدل ما تكون سهرة ضخمة تتكلف ملايين وتنتهي بانطفاء الأنوار، تم بيع حقوق تسجيل الحفل لشركة بوليغرام، كما بيعت حقوق البث الإذاعي الحي لشركة سكاي روك. وهكذا لم تعد بيرسي هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يسمع فيه الناس ما حدث. التسجيل خرج إلى العالم، والحفلة تحولت تدريجيًا إلى ألبوم حي وفيديو، وأصبحت ليلة واحدة في باريس قادرة على الوصول إلى جمهور أكبر بكثير من الجمهور الموجود داخل القاعة.
وبالفعل، تحولت الحفلة إلى ألبوم حي حمل الاسم نفسه، وصار واحدًا من أهم التسجيلات المرتبطة بتاريخ الراي في التسعينيات. «لوموند» أشارت وقتها إلى أن رهان شركة الإنتاج لم يكن فنيًا فقط، بل تجاري أيضًا، مع ألبوم مباشر سيصدر بعد الحفل وحقوق عرض تلفزيوني للحفل.
ثلاثة وجوه للراي الجزائري
متعمّدًا أو من غير قصد، جمع خالد في تلك الليلة ثلاثة وجوه لا يمكن فصلها عن التحولات التي مر بها الراي والجزائريون في فرنسا.
كان الشاب خالد يمثل وهران، والجيل الذي خرج من الأحياء الشعبية في عاصمة الراي التاريخية، ثم نجح في تحويل موسيقاها إلى ظاهرة جماهيرية دولية. قبل الحفل بسنوات قليلة، كانت «دي دي» قد جعلته واحدًا من أكبر نجوم الموسيقى الجزائرية في فرنسا، ثم جاءت «عايشة» في ١٩٩٦ لتؤكد أن خالد لم يعد مجرد نجم راي ناجح، بل فنانًا قادرًا على الوصول إلى جمهور أوروبي واسع. حتى تعاونه مع ميلين فارمر في «الدمية التي لا تقول لا» كان إشارة إلى أن الحدود بين الراي والموسيقى الفرنسية بدأت تختفي.
أما رشيد طه فكان يمثل وجهًا آخر تمامًا. وُلد في الجزائر وهاجر إلى فرنسا وهو طفل، وعاش مبكرًا تجربة الانقسام بين بلد الأصل وبلد الإقامة. موسيقاه لم تكن مجرد محاولة لتقديم الأغنية الجزائرية في فرنسا، لكنها كانت محاولة لفهم معنى أن تكون جزائريًا داخل مجتمع فرنسي لا يتعامل دائمًا مع هذا الانتماء ببساطة. مع فرقته «بطاقة إقامة» ثم في مشواره المنفرد، صنع طه من سؤال الهوية موضوعًا فنيًا مستمرًا، واحتفظ بعلاقة شديدة القوة بالجزائر وموسيقاها، حتى إنه عاد إلى وهران في رحلة شكلت جانبًا مهمًا من مشروعه الفني.
أما الشاب فضيل فكان يمثل الجيل الجديد. وُلد سنة ١٩٧٨ في فرنسا لعائلة مهاجرة من تلمسان، وكان والده يعمل في مصانع رينو. لم يعش تجربة الهجرة كما عاشها خالد أو طه، لأنه ببساطة اتولد في البلد الذي انتهى إليه آباؤه. لكنه حمل الراي معه من خلال العائلة والحي والحفلات، وكان واحدًا من أبناء الجيل الثاني الذين أصبحوا فرنسيين وجزائريين في الوقت نفسه، أو على الأقل اضطروا إلى التفاوض مع المعنى ده طوال حياتهم.
وده تحديدًا كان سر قوة الثلاثي. خالد لم يكن رشيد طه، ورشيد لم يكن فضيل، وفضيل لم يكن خالد. الاختلاف بينهم هو اللي صنع معنى وجودهم معًا.
سفينة نوح الموسيقية
على المسرح، كان الاختلاف بين الثلاثة يقابله مشروع موسيقي يحاول جمع أكبر عدد ممكن من اللغات الموسيقية في مكان واحد. بروفات الحفل بدت كأنها سفينة نوح فعلًا، فيها موسيقيون من أوركسترات فرنسية ومصرية، عود، جيتارات، آلات نحاسية، إيقاعات شمال أفريقية، وعناصر قادمة من موسيقى الروك وموسيقى العالم.
شارك في المشروع عازفون مصريون وفرنسيون، وكان نبيل الخالدي حاضرًا على العود، وشاركت المغنية وعازفة القيثارة الأمريكية غيل آن دورسي، بالإضافة إلى موسيقيين مصريين مثل حسام رمزي وهاني فرحات، بينما تولى ستيف هيلاج مهمة جمع هذه العناصر المتنافرة داخل رؤية واحدة. المادة الموسيقية للحفل لم تكن مجرد راي مع أوركسترا، لكنها امتدت إلى الجيتار الفلامنكو، والهارب، والآلات النحاسية، والإيقاعات المغاربية، وملمس الروك الحديث.
و«لو باريزيان» في تقريرها المنشور بعد الحفل وصفت المشهد بأنه مزيج من أوركسترا سيمفونية مصرية من خمسة وخمسين موسيقيًا، وقسم نحاسي مرتبط بموسيقيي ديفيد بوي، بالإضافة إلى مجموعة من حوالي اثني عشر عازفًا جاؤوا من أماكن موسيقية مختلفة، من الولايات المتحدة إلى الأندلس وجزيرة ريونيون والمغرب العربي. النتيجة كانت عرضًا موسيقيًا أكبر بكثير من مجرد حفل راي تقليدي.
الجمهور كان جزءًا من الموسيقى
الجمهور هنا ماكانش مجرد خلفية للحفلة. كان جزءًا أساسيًا منها.
سبعة عشر ألف شخص، أغلبهم من أبناء الجيل الثاني من المهاجرين، شباب اتولدوا أو تربوا في فرنسا بينما كانت الجزائر بالنسبة لهم بلدًا حاضرًا في البيت، في اللغة، في الأكل، في أسماء الأهل، وفي الموسيقى. هؤلاء الشباب كانوا عايشين في الضواحي العمالية لباريس، في مساحة ثقافية مزدوجة لا تسمح دائمًا بالانتماء الكامل إلى أي طرف.
وعشان كده، اللحظة اللي التقت فيها أعين الجمهور بخالد ورشيد وفضيل كانت أكبر من لقاء بين مطربين ومستمعين. كل واحد من الثلاثة كان بيمثل احتمالًا مختلفًا لهوية الجمهور نفسه. خالد ابن الجزائر الذي غزا أوروبا، رشيد الذي عاش التمزق وصنع منه موسيقى، وفضيل الذي وُلد في فرنسا لكنه حمل الراي كجزء من هويته.
ولهذا وصف تقرير «لو باريزيان» الجمهور بأنه جاء بأعلامه واختلافاته، لكنه جاء أيضًا برغبة في الأخوة والرقص والاحتفال.
المنفى يفتتح الحفل ويغلقه
يدخل الثلاثة إلى المسرح ببدلات سوداء، ويبدأون معًا بأغنية مرتبطة بالمنفى. الأغنية، التي لحنها رشيد طه، تعود إلى قصيدة كتبها أحد أسرى ثورة المقراني الذين نُفوا إلى كاليدونيا الجديدة سنة ١٨٧١، وتحكي قصة الأسير من لحظة الاعتقال إلى المحاكمة والنفي، في رسالة مفتوحة إلى أمه.
«قولوا لأمي ما تبكيش… يا المنفي».
اختيار الأغنية كان كأنه مفتاح لفهم الحفل كله. لأن المنفى هنا لم يكن تاريخًا قديمًا فقط. كان موجودًا في القاعة نفسها. بعض الحاضرين جاءوا من جيل عاش الهجرة، وبعضهم وُلد بعيدًا عن الجزائر، وبعضهم كان يتابع بلده من بعيد وهو يعيش واحدة من أصعب فترات تاريخه الحديث.
وفي النهاية، يعود الحفل إلى الفكرة نفسها بأغنية «يا الرايح وين مسافر» لدحمان الحراشي، التي أعاد رشيد طه تقديمها في بداية التسعينيات. أغنية عن السفر والغربة والعودة، تحولت مع صوت طه إلى واحدة من أهم أغاني الشتات المغاربي.
الحفلة إذن تبدأ بالمنفى وتنتهي بالمنفى. وبينهما، يحصل كل شيء آخر: الرقص، الحب، الاحتفال، الذكريات، والراي.
ثلاث ساعات.. وثلاثة نجوم لا يتشابهون
الحفل لم يكن مبنيًا على فكرة أن الثلاثة لازم يغنوا كل شيء معًا. بالعكس، واحدة من أهم أفكاره كانت وضع كل مطرب في مساحته الخاصة ثم جمعهم في اللحظات التي تحتاج إلى حضور جماعي. التوزيعات أعادت تقديم أغاني شهيرة لكل واحد منهم، سواء في شكل منفرد أو ثنائي أو ثلاثي، وهو ما جعل الحفل أقرب إلى رحلة داخل تاريخ الراي نفسه، من الأغنية الشعبية القديمة إلى النجاحات الحديثة وقتها.
خالد قدم من عالمه «دي دي» و«عايشة»، وفضيل قدم «أحبك جدًا» و«الأمير الصغير» بصوته الأصغر والأكثر رومانسية، بينما كان رشيد طه أكثر ارتباطًا بالجانب التجريبي والهوية الثقافية. مراجعة «لو باريزيان» نفسها كانت لافتة هنا: أشادت بحضور خالد وثقته، ورأت في فضيل رومانسية وشبابًا لافتين، لكنها اعتبرت أن رشيد طه بدا أقل استقرارًا على المسرح، وكأنه لم يجد إيقاعه بالكامل داخل هذا المشروع الضخم.
وده جانب مهم لأن «١، ٢، ٣ شموس» مش حكاية كاملة عن ثلاثة فنانين نجحوا بالتساوي في نفس اللحظة. بالعكس، الاختلافات بينهم ظهرت حتى داخل الحفل نفسه، وده جعل الحدث أكثر إثارة، لأن كل واحد كان بيحاول يحتفظ بشخصيته داخل مشروع مصمم أساسًا لدمجهم.
«عبد القادر».. اللحظة التي انفصل فيها الجمهور عن الأرض
ومن بين كل ما قُدّم في تلك الليلة، كانت «عبد القادر يا بوعلام» واحدة من اللحظات التي تحولت فيها الحفلة من عرض موسيقي إلى طقس جماعي. المقدمة تبدأ بتصاعد الكمنجات، ثم يدخل البندير والإيقاع، وكأن الأغنية بتجمع الطاقة ببطء قبل ما تطلقها بالكامل.
هنا تحديدًا ظهر سر الراي: قدرته على تحويل الإيقاع إلى حالة جسدية. مش لازم الجمهور يفهم كل كلمة عشان يتحرك. الموسيقى نفسها بتوصله. لكن في بيرسي، حصل شيء إضافي. الناس لم تكن بترقص فقط، كانت بتسمع صوتًا تعرفه من البيت، من الجزائر، من كاسيتات جابها حد من السفر، أو من حفلات الأحياء.
في الصباح التالي، خرجت «لو باريزيان» بعنوان واضح: «خالد وفضيل ورشيد طه أشعلوا بيرسي». وكتبت أن الثلاثة، مدعومين بأوركسترا سيمفونية مصرية نابضة بالحياة من ٥٥ موسيقيًا، أشعلوا القاعة أمام ١٧ ألف متفرج جاءوا بأعلامهم واختلافاتهم، لكنهم جاءوا أيضًا من أجل الرقص والاحتفال.
حتى الأغنية الفرنسية لم تنجُ
وسط كل هذا الحضور العربي والمغاربي، جاءت واحدة من أكثر لحظات الحفلة دلالة عندما غنى الثلاثة الأغنية الفرنسية الوحيدة في تلك الليلة، «Comme d’habitude».
رد فعل الجمهور كان مختلفًا تمامًا. الصحافة الفرنسية نفسها لاحظت أن الأغنية قوبلت بالسخرية، وهي مفارقة شديدة الدلالة: سبعة عشر ألف شخص داخل قاعة فرنسية، في العاصمة الفرنسية، يأتون لحضور موسيقى جزائرية، وعندما تظهر الأغنية الفرنسية الوحيدة في البرنامج، يكون رد فعل الجمهور سلبيًا.
المشهد لا يعني بالضرورة رفض فرنسا، لكنه يكشف قوة العلاقة العاطفية التي ربطت الجمهور بموسيقاه الأصلية. جمهور يعيش في فرنسا لكنه لا يريد أن تتحول جذوره إلى مجرد تفصيلة فولكلورية داخل حياته الفرنسية. ولذلك أصبحت الموسيقى في تلك الليلة مساحة لاستعادة شيء لا تمنحه الحياة اليومية بسهولة: الإحساس بأن الثقافة التي ورثتها من أهلك يمكن أن تقف وسط باريس من غير ما تعتذر عن وجودها.
من حفلة إلى ألبوم.. ومن ألبوم إلى ذاكرة
بعد الحفلة، لم تنته الحكاية. التسجيل نفسه أصبح منتجًا موسيقيًا قائمًا بذاته، وخرج ألبوم «١، ٢، ٣ شموس» ليحفظ الليلة خارج إطارها الزمني. وبقي الألبوم شاهدًا على طريقة مختلفة في تقديم الراي: أغاني منفردة، ثنائيات، ثلاثيات، وإعادة توزيع لأعمال شهيرة من مسيرة المطربين الثلاثة، إلى جانب كلاسيكيات جزائرية.
«لوموند» اعتبرت الحفلة حدثًا يتجاوز الراي التقليدي، ورأت فيها لحظة تكشف عن ظهور موسيقى فرنسية متعددة الأعراق، ناتجة عن تداخل الثقافات والهويات داخل المجتمع الفرنسي نفسه. وبالنسبة لشركة الإنتاج، كان الألبوم المباشر والبث التلفزيوني جزءًا من تحويل الحفلة إلى مشروع تجاري واسع الانتشار.
وهنا ربما تكون أهم نقطة في الحكاية كلها: الراي لم يدخل بيرسي ليلة ٢٦ سبتمبر ١٩٩٨ فقط. الراي خرج من بيرسي بعدها. خرج على أسطوانة، وعلى التلفزيون، وعلى الراديو، ووصل إلى بيوت لم يكن أصحابها موجودين في القاعة أصلًا.
ربع قرن و«عبد القادر» لا يزال يرجف
ما يجعل «١، ٢، ٣ شموس» خالدة بعد كل هذه السنوات ليس الجودة الموسيقية وحدها، وإن كانت استثنائية، لكن قدرتها على الاحتفاظ بلحظة تاريخية كاملة داخل تسجيل واحد. اللحظة التي كان فيها الراي يتحول من موسيقى مرتبطة بالهجرة والضواحي إلى موسيقى تقف على واحد من أكبر مسارح فرنسا، واللحظة التي كان فيها أبناء المهاجرين يكتشفون أن الثقافة التي حملها آباؤهم ليست مجرد شيء قديم موجود داخل البيت، بل يمكنها أن تملأ قاعة بحجم بيرسي.
رشيد طه كان يحمل معه الجزائر والمهجر في الوقت نفسه. خالد كان يحمل وهران والنجاح العالمي. فضيل كان يحمل جيلًا ولد بين ثقافتين. والجمهور كان يحمل السؤال نفسه، لكن كل شخص بطريقته: هل أكون فرنسيًا؟ هل أكون جزائريًا؟ وهل لازم أختار أصلًا؟
الحفلة لم تقدم إجابة مباشرة. هي عملت حاجة أذكى: خلت السؤال نفسه يغني.
ومن بين كل الأغاني والتوزيعات والكمنجات والبندير وصوت الجمهور، فضلت «عبد القادر يا بوعلام» هي الذاكرة الأكثر التصاقًا باللحظة؛ ذلك التصاعد الموسيقي الذي يبدأ صغيرًا ثم يكبر حتى تصبح القاعة كلها جزءًا منه.
«أهو ذنبك أنك يومًا وُلدت بتلك البلاد؟»
عن الجرح تتحدث حفلة الشموس الثلاثة، في خريف باريس الحزين، لكن الحزن هنا لم يكن نهاية الحكاية. كان مختبئًا تحت الصخب والرقص والهتاف، منتظرًا أن تعود الموسيقى وتطلعه للنور.
٢٦ سبتمبر ١٩٩٨ — بيرسي أرينا، باريس
١٧ ألف متفرج · ٥٥ موسيقيًا في الأوركسترا المصرية · ثلاثة أصوات · جرح واحد · ومنفى لم ينتهِ.











