“أسد”.. ملحمة تحاول الزئير بين صورتين

فيلم يلمع بصريًا كدرع مصقول، لكنه يتعثر حين يُطلب منه أن يروي حكاية كاملة لا مجرد مشاهد قوية

Kontentainment

“أسد”.. بين طموح الملاحم وثقل الأسئلة

فيلم كبير في حجمه، متردد في يقينه، ومفتوح على أكثر من قراءة من أول لقطة لآخر مواجهة

خرج فيلم “أسد” إلى النور محمّلًا بسنوات طويلة من التحضير، وميزانية ضخمة، وطموح واضح بيحاول يلمس مساحة أكبر من السينما المحلية. عودة محمد دياب للسينما المصرية بعد غياب، ووجود ثلاثي آل دياب على السيناريو، مع حضور محمد رمضان في دور مركزي، كلها عناصر صنعت حالة ترقّب قبل العرض، وكأننا أمام فيلم مش جاي يتفرج عليه الجمهور بس، لكن جاي يختبر مكانه وسط سينما أكبر من حدوده المعتادة.

لكن مع انتهاء العرض، الصورة ما كانتش بنفس اللمعان اللي اتبنت في الترويج. الفيلم وقف في منطقة رمادية بين الإعجاب والانزعاج، بين محاولة صناعة ملحمة تاريخية وبين تعثر في بناء عالمها الداخلي.

تاريخ يُروى… لكنه لا يُمسك

اختار “أسد” الدخول إلى مساحة نادرة نسبيًا في السينما المصرية: حقبة تاريخية مرتبطة بالرق والتحولات الاجتماعية. اختيار جريء على الورق، لكن التنفيذ تعامل مع الزمن كخلفية أكثر منه كعالم حيّ. الحقبة موجودة بصريًا، لكن تفاصيلها مش دايمًا متماسكة أو مُقنعة بما يكفي لتثبيت المشاهد داخلها.

القضية المركزية، وهي العبودية، ظهرت في الفيلم كخط درامي كبير، لكنه اتقدّم بشكل أقرب للرمز منه للتحليل. النتيجة كانت عالم مأخوذ من مراجع عالمية أكثر مما هو متجذر في خصوصية المكان، فبدت بعض اللحظات وكأنها تعيد تدوير ملاحم معروفة بدل ما تبني سرديتها الخاصة.

الحب والتمرد… في قالب مألوف

القصة الأساسية تدور حول أسد، العبد الذي يُختطف ويُباع، ثم يجد نفسه في قلب علاقة حب مستحيلة مع ابنة سيده. من هنا يبدأ المسار المتوقع: قهر، حب، تمرد، ثم ثورة.

الفيلم يحاول يرفع سقف الرهان العاطفي، لكن البناء الدرامي في لحظات كتير يميل للخط المستقيم. حتى لحظات التحول الكبيرة بتجي أحيانًا بسرعة أو بدون تمهيد كافي يخليها تُحس فعليًا كتحول داخلي مش مجرد انتقال في الأحداث.

الصورة أقوى من النص

واحدة من أكثر نقاط القوة الواضحة في “أسد” هي شغفه بالصورة. الفيلم بيشتغل بعين مصمم أكثر من كاتب أحيانًا: مياه، دم، جبال، نار… عناصر بتتحول تدريجيًا من جمال بصري إلى حالة شعورية.

لكن المشكلة إن الانبهار البصري مش دايمًا مسنود بمنطق درامي متماسك. مع تقدم الأحداث، تبدأ أسئلة بسيطة في الظهور: لماذا يحدث هذا بهذه السهولة؟ ولماذا تتحرك الشخصيات بهذا الشكل تحديدًا؟ وهنا يبدأ الشرخ بين ما نراه وما نصدقه.

ثغرات المنطق… حين تتوقف الدراما عن الإقناع

الفيلم يحتوي على مجموعة من اللحظات التي تبدو مصممة لخدمة المشهد أكثر من خدمة القصة. قرارات بعض الشخصيات، تسهيلات الحراسة، تحركات الاختطاف، وحتى بعض تفاصيل الطقوس، كلها تخلق فجوات صغيرة لكنها متكررة، ومع الوقت تتحول لثقل على التجربة.

هذه الثغرات لا تهدم الفيلم بالكامل، لكنها تمنعه من الوصول إلى مستوى الانغماس الكامل الذي تطمح له الأعمال التاريخية الكبرى.

الشخصيات بين الفكرة والظل

يحاول الفيلم توسيع مساحته عبر شخصيات مساعدة، لكن أغلبها يظل يدور في فلك البطل. حتى الشخصيات التي تحمل إمكانيات درامية واضحة، لا تحصل على وقت كافٍ للتنفس أو التشكل.

النتيجة أن اللحظات المؤثرة تمر بسرعة، وكأن الفيلم في عجلة دائمة للعودة إلى أسد، حتى عندما يكون من الأفضل أن يتوقف قليلًا عند الآخرين.

محمد رمضان… بين الحضور والاغتراب

محمد رمضان يقدم أداءً قويًا على مستوى الحضور الجسدي والطاقة، لكنه يظل أسيرًا لصورة البطل الذي يعرفه الجمهور مسبقًا. الفيلم يحاول كسر هذه الصورة عبر الألم والانكسار، لكنه في نفس الوقت يعيد بناءها في لحظات أخرى عبر القوة والهيمنة.

هذا التذبذب يجعل العلاقة مع الشخصية غير مستقرة: نراها، لكن لا نصل إليها بالكامل.

في النهاية

“أسد” فيلم طموح، واضح في رغبته في مغادرة المحلي نحو مساحة أوسع، لكن رحلته بين الفكرة والتنفيذ لم تكن مستقيمة. هو عمل يملك لحظات بصرية لافتة، ونيات درامية كبيرة، لكنه في المقابل يعاني من فجوات في الإقناع والتماسك.

الفيلم لا يُختصر في حكم واحد. هو تجربة واقفة في المنتصف… بين ما أراد أن يكونه، وما استطاع الوصول إليه.

- Advertisement -
شير الأرتكال