في صيف ١٩٩٥، العالم العربي كان بيسمع الأغنية بنفس الطريقة اللي اتعوّد عليها سنين: ألحان شرقية، توزيعات مألوفة، وأغاني متبنية على قواعد ثابتة محدش بيخرج عنها غير القليل. وبعدين طلع ألبوم شايل اسم بيوحي بالرجوع لورا: «راجعين». والمفارقة إن الألبوم ده مكانش بيبصّ لورا قد ما كان بيقفز لقدّام — كإن عمرو دياب وفريقه قرّروا يفتحوا شباك يربط بين أربعينات القرن اللي فات وتسعيناته، وبين الجاز الأمريكي والمقسوم المصري، وبين البلوز والأغنية العربية، في عمل واحد.
- الحدوتة بتبدأ في ١٩٤٢
- راجعين — صدمة الحاضر في قلب الماضي
- مايتحكيش عليها — رومانسية حالمة
- انسى قلبي — رحلة لجذور الموسيقى الأفريقية
- ورجعت من السفر — فيلم كامل في خمس دقايق
- حنساك أنا — قرار بالنهوض
- صدقتني — حوار العود والساكسفون
- بلاش تكلمها — لما أمريكا اللاتينية دخلت الأغنية العربية
- حاولت — اللحظة اللي الألبوم كشف فيها كل أوراقه
- ليه «راجعين» لسه مهم بعد أكتر من تلاتة عقود؟
الحدوتة بتبدأ في ١٩٤٢
عشان نفهم عظمة اللي حصل، لازم نرجع لسنة ١٩٤٠، لما كانت موسيقى السوينغ (Swing) مسيطرة على العالم بآلات الترامبيت والساكسفون والبيانو. ومع ظروف الحرب العالمية التانية وصعوبة تنقّل الفرق، اتولدت ثورة موسيقية بديلة بين ١٩٤٢ و١٩٤٥ اسمها الـ«بي بوب» (Bebop)، العازفين بدأوا يرتجلوا بسرعات جنونية، لحد ما بقى الجاز هو الموضة السايدة سنة ١٩٤٩. هنا بقى الذكاء: أغنية «راجعين» جت تبقى جسر يربط سنة ١٩٤٩ بسنة ١٩٩٥.
راجعين — صدمة الحاضر في قلب الماضي
(كلمات: مدحت العدل · ألحان: رياض الهمشري · توزيع: طارق مدكور)
في الكليب اللي أخرجه طارق العريان، بنشوف حفلة راقية بالأبيض والأسود من عصر الأربعينات، فرقة كلاسيكية بتعزف، وصوت الراحل طلعت زين بيصدح بكلمة «تعالى». وفجأة، السما بتتشقّ وتنزل عربية طايرة كإنها كسرت حاجز الزمن، في استحضار مباشر لأفلام Back to the Future.
عمرو دياب بينزل لابس «الجينز» — رمز المودرن والشباب — وهو الشخص الوحيد «الملوّن» وسط عالم أبيض وأسود، عشان يوحّي المخرج إنه راجل عابر للزمن جه يسمّع الجيل القديم ده موسيقى المستقبل. عمرو بيمشي ناحية عازف البيانو (الراحل عزت أبو عوف) ويعزف بأسلوب الجاز الأول وبعدين يدخل بأسلوبه الخاص، فترد عليه كمنجات الفرقة القديمة تعبيراً عن «تقبّل الماضي للمستقبل». رنّات الأورج الخفيفة بتبدأ كأول لمسة مودرن، وتتمزج مع إيقاع الجاز، وفجأة — عند جملة «وتعالى تعالى» — الجاز بيسكت تماماً وينفجر ريتم المقسوم التسعيني السريع، فتتحوّل الحفلة للألوان، ورقصات الحضور الحذرة تتبدّل لحركة صاخبة بتعلن الاندماج الرسمي في سنة ١٩٩٥.
الأغنية اتعملت بذكاء توزيعي معتمد على «النداء والرد» بين الكمنجات والجيتار، وعمرو اتنقّل فيها بمرونة بين مقامي الكرد والحجاز. وفي آخر الكليب، عمرو بياخد حبيبته في العربية الطايرة، كإنه بياخد العاطفة والنوستالجيا من الماضي عشان يعيش بيهم في الحاضر. الرسالة واضحة: الماضي مابيتلغيش، لأ بيتقدّم تاني بلغة جديدة.
مايتحكيش عليها — رومانسية حالمة
(كلمات: مجدي النجار · ألحان وتوزيع: ياسر عبد الرحمن)
تاني أغنية في الألبوم، بتبدأ بالجيتار والكمان في لوحة رومانسية حالمة بتوصف براءة الحبيبة ورقّتها («زي الملايكة.. ورداية تحلم تقطفها»). الكمنجات بتدخل بنغمات طويلة بتدّي جو حالم، وخلفها إيقاع المقسوم الهادي الرايق، وفي السولو بيندمج القانون والأورج والكمنجات مع بعض. هي لحظة هدوء عاطفي مقصودة بعد صخب «راجعين».
انسى قلبي — رحلة لجذور الموسيقى الأفريقية
(كلمات: مدحت العدل · ألحان: رياض الهمشري · توزيع: أشرف محروس)
أقصر أغنية في الألبوم وأكترها تكثيفاً. لو «راجعين» بتتعامل مع الزمن، فـ«انسى قلبي» بتتعامل مع الجغرافيا الموسيقية نفسها. بتبدأ بصدمة: أصوات بشرية بحتة من غير آلات تقيلة في اللي بيتسمّى «الأكابيلا» (Acappella)، مطعّمة بأسلوب الـ«دو ووب» (Doo-wop) اللي طلع في أمريكا أواخر الأربعينات جوه مجتمعات الأفارقة الأمريكان كفرع من البلوز، والمغني الأساسي بيعتمد على كورال من وراه بيطلّع أصوات إيقاعية ملهاش معنى لفظي زي «دم دم دو وو».
وبعدين الرحلة بتتوسّع: كونجا وبونجوز وجيتارات بروح البلوز، وساكسفون — ابن موسيقى البلوز الشرعي — بيحاور صوت عمرو في حوار حركي مبهج معتمد على نغمات الكمان القصيرة السريعة (الاستاكاتو). وعشان الجاز والبلوز أصلهم بيرجع للجذور الأفريقية، الأغنية بتاخدنا في آخرها فجأة لقلب الأدغال؛ الإيقاع بيتغيّر تماماً ويبقى أفريقي خالص تصاحبه الصفّارة الخشبية الأفريقية، في رحلة أنثروبولوجية بترجّع الموسيقى لمنبعها الأول، قبل ما تقفل عايدة للبلوز.
ورجعت من السفر — فيلم كامل في خمس دقايق
(كلمات: مدحت العدل · ألحان وتوزيع: ياسر عبد الرحمن)
وسط الألبوم بتقف الأغنية دي كإنها عمل منفصل تماماً. هنا احنا مش بنتكلم عن أغنية، لأ ده دراما مسموعة وشريط سينمائي متكامل صاغه العبقري ياسر عبد الرحمن لحناً وتوزيعاً، وكتبه مدحت العدل كأقوى نص في تاريخه الشعري، بروح تلفزيونية بتفكّرك بتترات روائع زي «المال والبنون».
بتبدأ بآلة التشيلو الغليظة اللي بتحطّك على طول في أجواء مأساوية، ترد عليها كمانجة حزينة في حوار باكي (سؤال وجواب)، وبعدين البيانو بيدخل يزوّد الشجن عمقاً — ومع كل رنّة بيانو الكمانجة بتئنّ كإنها صوت إنسان بيعيّط. وبعدين يدخل الإيقاع الصعيدي بالدفوف، وهو إيقاع تقيل بيشبه «العديد» المستوحى من ألحان المآتم في الصعيد.
ولما الغنا بيبدأ، عمرو دياب بيخلع عباءة المطرب ويلبس عباءة الممثل التراجيدي. بيجسّد مشهد كامل: «فتحت الباب لقيت ورقة وكلمة وداع.. سابتني اللي عشانها دقت سنين الضياع». في المرة الأولى للجملة بتحسّ بالكسرة في بحّة صوته، وفي الإعادة الانكسار بيتحوّل لغضب عارم تثور معاه الكمنجات والتشيلو ويتسارع الإيقاع. وعند صرخة «كنت فاكرها ملاك» بيعيدها تلات مرات بتلوين عبقري: الأولى دهشة وصدمة، التانية وجع خالص، التالتة صرخة مدوية، وبعدين يهبط فجأة منكسر مع «لكن طلعت بشر».
الأغنية بتنتهي بهمسات وآهات ماشية جنب الكمنجات، عشان توحّي إن طاقة الإنسان خلصت ومبقاش قادر يصرخ، بس الوجع لسه حيّ. والنهاية مابتقدّمش حل: لا انتصار ولا مصالحة، لأ بتلخّص أزمة جيل التسعينات اللي سافر واتغرّب سنين، ولما رجع حسّ بالغربة الأكبر جوه وطنه: «إزاي يبقى غريب واحنا في حضن الوطن».
حنساك أنا — قرار بالنهوض
(كلمات: مدحت العدل · ألحان: رياض الهمشري · توزيع: طارق مدكور)
بعد الانكسار الدرامي في «ورجعت من السفر»، بتيجي «حنساك أنا» — اللي كان اسمها في الأول «الدنيا كده» بنفس التوزيع قبل ما عمرو يغيّر كلماتها لتبقى عاطفية — كقرار شخصي بالنهوض والنسيان. بتبدأ بريتم المقسوم المبهج، وفيها حوار دافئ بين الساكسفون والناي والكمنجات. كإنها رد فعل نفسي على وجع الأغنية اللي قبلها.
صدقتني — حوار العود والساكسفون
(كلمات: مجدي النجار · ألحان: عمرو دياب · توزيع: طارق مدكور)
أول لحن لعمرو دياب نفسه في الألبوم. بتبدأ بالبيانو والتشيلو والكمنجات لاستعراض اللحن، وبعدين يدخل الساكسفون مع إيقاع الرومبا العاطفي. الكلمات فيها مواجهة مباشرة وعتاب رقيق للحبيب، وفي السولو بيحصل حوار فريد من نوعه بين عزف العود الشرقي وصوت عمرو دياب، وبعدين يرجع الساكسفون يبقى بطل الأغنية.
بلاش تكلمها — لما أمريكا اللاتينية دخلت الأغنية العربية
(كلمات: مجدي النجار · ألحان: عمرو دياب · توزيع: طارق مدكور)
في نص التسعينات، التأثيرات اللاتينية مكانتش منتشرة في الموسيقى العربية زي ما بقت بعد كده، بس «بلاش تكلمها» كانت استثناء واضح. واحدة من أروع أغاني اللاتن بوب (Latin Pop)، بتبدأ بآلة إيقاعية صينية الأصل اسمها «وود بلوك» (Wood Block) كانت بتُستخدم في الطقوس البوذية قبل ما تتبنّاها الموسيقى الكوبية والبرازيلية.
الأغنية اتميّزت بالكورال الجماعي الصاخب اللي بيدّيك إحساس فرق السالسا والمامبو اللاتينية في الحفلات الحية، مع سولو أكورديون وبيانو بطريقة «المونتونو». كانت أقرب لشباك بيطلّ على عالم موسيقي مختلف تماماً، ومع كده بانت مصرية وعربية بالكامل — ودي معادلة مكانتش سهلة خالص.
حاولت — اللحظة اللي الألبوم كشف فيها كل أوراقه
(كلمات: عادل عمر · ألحان: عمرو دياب · توزيع: أشرف محروس)
الحدوتة بتتختم بالأغنية الأعجب والأغرب في الألبوم. لما تسمعها بتحسّ إنك سبت الاستوديو وقعدت في مسرح الأوبرا، لأنها شايلة روح ملحمية بتشبه أغنية «كلمات» لماجدة الرومي.
بتبدأ بتداخل مذهل لآلات متعددة: الأوبوا (Oboe) بنغمتها الدرامية الشجية، ضربات جيتار خفيفة، كمنجات بتعمل «سحابة صوتية» في الخلفية، ولمسات قانون رقيقة — وإزاي أشرف محروس قدر يعمل هارموني من كل الآلات دي مع بعض، فدي العبقرية. وبعدين يدخل إيقاع الدرامز والدفوف، وتتحاور الكمنجات والترامبيت في نداء ورد، عشان عمرو يغني على مقام العجم بصوت حنون دافئ، مستخدم تقنية الـ Second Voice بصوته الشخصي بطريقة الأكابيلا.
بس السحر الحقيقي في التنقّل بين المقامات. اللحن بيبدأ بالعجم في «حاولت»، وبعدين ينتقل للحجاز في «يمكن أكون غلطان»، وبعدين تيجي الحتة الأيقونية الخالدة «أتاري قلبي حبك موت» على العجم، فـ«آه يا عمري» الأولى على الحجاز، و«آه يا عمري» التانية على البياتي — تنقّل سلس بين العجم والحجاز والبياتي في دقايق قليلة، وصوت عمرو بيتحرّك فوق التغييرات دي كإنه بيقودها مش بيتبعها. هنا الألبوم بيوصل لذروة نضجه الموسيقي.
ليه «راجعين» لسه مهم بعد أكتر من تلاتة عقود؟
عشان مكانش مجرد مجموعة أغاني ناجحة، لأ كان مشروع موسيقي متكامل حاول يجاوب على سؤال صعب: إزاي الأغنية العربية تبقى حديثة من غير ما تفقد هويتها؟
الإجابة جت عن طريق مزج الجاز والبلوز والموسيقى اللاتينية والأفريقية مع المقامات الشرقية والإيقاعات المصرية، من غير ما يبان أي عنصر منهم دخيل على التاني. عشان كده مبنبصّش لـ«راجعين» النهارده كمحطة في مشوار عمرو دياب، لأ كأحد الألبومات اللي أعادت تعريف شكل الأغنية العربية الحديثة. ألبوم بدأ رحلته بعنوان بيوحي بالرجوع، بس في الحقيقة كان خطوة كبيرة لقدّام.

